ابن العربي
191
أحكام القرآن
المسنون ؛ وقد كنا نقول بأنّ غيره ليس بمشروع ، لولا تظاهر الأخبار والآثار وانعقاد الإجماع من الأمّة بأن من طلّق طلقتين أو ثلاثا أنّ ذلك لازم له ، ولا احتفال بالحجّاج وإخوانه من الرافضة ، فالحقّ كائن قبلهم . فأمّا مذهب أبي حنيفة في أنه حرام فلا معنى للاشتغال به هاهنا ؛ فإنه متفق معنا على لزومه إذا وقع . وقد حققنا « 1 » ذلك في مسائل الخلاف . المسألة الخامسة - في تحقيق القول في قوله : « مرّة » ؛ وهي عبارة في اللغة عن الفعلة الواحدة في الأصل ، لكن غلب عليها الاستعمال ، فصارت ظرفا ، وقد بيّنا ذلك في كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين . المسألة السادسة - قوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ . قيل : الإمساك بالمعروف الرجعة الثانية بعد الطلقة الثانية ، والتسريح الطلقة الثالثة وقيل : التسريح بإحسان الإمساك حتى تنقضي العدة ، وكلاهما ممكن مراد ، قال اللّه تعالى « 2 » : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ؛ يعنى إذا قاربن انقضاء العدة فراجعوهنّ أو فارقوهنّ . وقد يكون الفراق بإيقاع الطلاق الذي قاله حينئذ . وقد يكون إذا راجعها وقال بعد ذلك ، وقد يكون بالسكوت عن الرجعة حتى تنقضي العدّة ؛ فليس في ذلك تناقض . وقد قال قوم : إنّ التسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة ، وورد في ذلك حديث أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : التسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة . ولم يصحّ . المسألة السابعة - هذه الآية عامة في أنّ الطلاق ثلاث في كل زوجين ، إلا أنّ الزوجين إن كانا مملوكين فذلك من هذه الآية مخصوص ، ولا خلاف في أنّ طلاق الرقيق طلقتان ؛ فالأولى في حقه مرة ، والثانية تسريح بإحسان ، لكن قال مالك والشافعي : يعتبر عدده برقّ الزوج . وقال أبو حنيفة : يعتبر عدده برقّ الزوجة . وقد قال الدارقطني : ثبت أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : الطلاق بالرجال والعدّة بالنساء . والتقدير : الطلاق معتبر بالرجال ، ولا يجوز أن يكون معناه الطلاق موجود بالرجال ، لأنّ ذلك مشاهد ، لا يجوز أن يعتمده النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالبيان .
--> ( 1 ) في ا : تحققنا . ( 2 ) سورة الطلاق ، آية 2